التفتازاني
232
شرح المقاصد
قد ثبت أن اللّه تعالى عالم بالجزئيات « 1 » ما كان وما سيكون ، وأنه يستحيل عليه الجهل وكل ما علم اللّه أنه يقع يجب وقوعه ، وكل ما علم اللّه أنه لا يقع يمتنع وقوعه ، نظرا إلى تعلق العلم ، وإن كان ممكنا في نفسه ، وبالنظر إلى ذاته ، ولا شيء من الواجب والممتنع باقيا في مكنة العبد بمعنى أنه إن شاء فعله وإن شاء تركه . فإن قيل : يجوز أن يعلم اللّه تعالى أن فعل العبد يقع بقدرته واختياره ، فلا يكون خارجا عن مكنته . قلنا : فيجب أن يقع البتة بقدرته واختياره ، بحيث لا يتمكن من اختيار الترك ، وهذا هو المراد بالانتهاء إلى الاضطرار . غاية الأمر أن يكون بإيجاده لكن لا على وجه الاستقلال والاختيار التام كما هو مذهب المعتزلة . وقد أشرنا إلى أن القصد « 2 » من بعض الأدلة إلى الإلزام دون الإتمام . نعم يرد نقض الدليل بفعل الباري تعالى ، لجريانه فيه مع الاتفاق على كونه بقدرته واختياره ، ويمكن دفعه بأن الاختياري ما يكون الفاعل متمكنا من تركه عند إرادة فعله لا بعده ، وهذا متحقق في فعل الباري ، لأن إرادته قديمة متعلقة في الأزل بأنه يقع في وقته ، وجائز أن يتعلق حينئذ بتركه « 3 » ، وليس حينئذ سابقة علم ليتحقق الوجوب ، أو الامتناع . إذ لا قبل للأزل ، فالحاصل أن تعلق العلم والإرادة معا فلا محذور بخلاف إرادة العبد ، وتقرير الإمام في المطالب العالية « 4 » هو أنه لما وجب في الأزل وقوع الفعل أو لا وقوعه في وقته لزم أن يكون لهذا الوجوب سبب ، وليس من العبد لأن الحادث لا يصلح سببا للأزلي . بل من اللّه تعالى . وليس هو العلم لأنه تابع للمعلوم ، لا مستتبع . بل القدرة والإرادة ، إذ بهما التأثير فثبت أن المؤثر في فعل العبد قدرة اللّه تعالى إما ابتداء أو بوسط وهو المطلوب ، وهذا ضعيف جدا ، لكن النقض مندفع عنه .
--> ( 1 ) قال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . سورة الأنعام آية رقم 59 . ( 2 ) في ( أ ) بزيادة حرف ( أن ) . ( 3 ) سقط من ( ب ) لفظ ( حينئذ ) . ( 4 ) هذا الكتاب يسمى المطالب العالية في الكلام للإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة 606 ه وشرحه عبد الرحمن المعروف بجلب زاده . راجع كشف الظنون ج 2 ص 1714 .